مقال: هل لا زالت البوصلة تشير إلى القدس؟!

الإثنين 19 يونيو 2017 02:13 م بتوقيت القدس المحتلة

هل لا زالت البوصلة تشير إلى القدس؟!

هل لا زالت البوصلة تشير إلى القدس؟!

بقلم الشيخ نافذ عزام

لا نبالغ إذا قلنا إن الوطن العربي يمر بأسوأ وأصعب مراحل تاريخه على الإطلاق، وحتى في أوقات السيطرة الاستعمارية المباشرة، ووقوع معظم الأقطار العربية تحت سيطرة المستعمرين، لم تكن الأوضاع بهذا السوء وهذا البؤس ومن المؤكد أن الوضع العربي البائس ينعكس بشكل مباشر وكبير على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وينعكس على مجمل الأوضاع في البلدان العربية ذاتها واللافت في هذه الأوقات السعي الأمريكي الواضح لإشعال الأزمات بين دول المنطقة، وعلى الجانب الآخر تبذل الإدارة الأمريكية الجديدة جهدا محموما لإسناد «إسرائيل» والدفاع عنها، وتحصينها ضد أي موقف أو إجراء والعمل على إدخالها لنسيج المنطقة ودفع دول عربية للتطبيع معها، وزيادة الاتصالات وتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية معها، بحيث أن «إسرائيل» تقف بقوة في قلب السياسة الأمريكية الجديدة ولا أحد في الإدارة الجديدة يحقق هذا، أو يناور حوله، الأمر الذي ينعكس على مواقف الدول العربية الرجعية أشد الحرص على تطوير علاقاتها مع أمريكا، بغض النظر عما تقوم به الإدارة الجديدة من إجراءات داعمة لـ»إسرائيل» ومشجعة لها على الاستمرار في عدوانها وقمعها للفلسطينيين والتعدي على حقوقهم.

في أكثر الإدارات الأمريكية انحيازا لـ»إسرائيل» لم يكن يحدث هذا، ولم يكن يحدث استنفار أمريكي كاملا لخدمة «إسرائيل» والضغط على الفلسطينيين كما هو حاصل الآن.

والأمثلة عديدة من وقوف المندوبة الامريكية في الأمم المتحدة بشراسة لمنع تعيين سياسي فلسطيني كمبعوث للأمين العام للأمم المتحدة لليبيا، إلى طرح أركان الإدارة الأمريكية مسألة مخصصات عوائل الاسرى والشهداء مع السلطة الفلسطينية والضغط بقوة لوقفها، وصولا إلى مطالبة رئيس حكومة الاحتلال بحل الأونروا وإنهاء خدماتها.

الأمثلة السابقة تدلل على المعادلة الجديدة التي يُراد فرضها لإضعاف الفلسطينيين وإنهاكهم، وإبقائهم تحت الضغط، بحيث لا يكادون يخرجون من أزمة حتى تفاجئهم أزمة جديدة، وهذا كله يتم دون أن توجه الدول العربية –مجرد النقد- للخطوات والإجراءات الجديدة.

في مراحل سابقة، ورغم القصور العربي الفادح، ظلت فلسطين حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي للدول العربية، وظل الموقف العربي المُجمع  على «إسرائيل» ووحشيتها وتنكيلها بالفلسطينيين، جزءا من السياسة العربية الرسمية، وظلت المطالبات العربية لأمريكا بتعديل سياستها تتردد بين الحين والآخر، مع إدراك كل الأطراف أن الأمر ا يتعدى الاجتماع بين الحين والآخر، مع إدراك كل الأطراف أن الأمر لا يتعدى الاجتماع الاعلامي والدبلوماسي، لكن هذا الموقف التقليدي غير المؤثر، فيتم تعبيره الآن، ويجرب طرح برامج سياسية عربية، تتراجع فيها فلسطين، وتكاد تخلو من الحديث عن «إسرائيل» وعدوانها وقمعها، وتتقدم الخلافات العربية- العربية على كل شيء آخر.

ولا يُخفي الرئيس الامريكي دعمه لهذا التوجه، بل تحريضه عليه، مما يضمن السكوت عن «إسرائيل» ومحاولة تشجيع الدول العربية على فتح صفحة جديدة في التعامل معها.

وسيرافق هذا التحول طرح تصورات جديدة لإنهاء القضية الفلسطينية بما يخدم المصلحة الإسرائيلية.

لقد كانت الرغبة الأمريكية واضحة طوال الوقت في إنهاء هذا الصراع بما يتوافق مع وجهة النظر الإسرائيلية، لكن الظروف في السابق لم تسمح أبدا بنجاح هكذا محاولات.

وفي ظل أسوأ الظروف، لم تمتلك الدول العربية الجرأة للمجاهرة بتخليها عن فلسطين وشعبها، وقبولها بالأمر الواقع الذي أملته موازين القوى الظالمة، لكن  يبدو أن ما يجري في الدول العربية منذ ست سنوات والسياسة المتطرفة للإدارة الأمريكية الجديدة، واستمرار التناحر الفلسطيني الداخلي، يبدو أن ذلك يهيء الأجواء لحرف البوصلة التي كنا نتباهى دائما بأنها لا يجوز أن تشير لغير القدس.

وإذا أردنا أن نناقش هذه الكوارث، وإذا اكنا جادين في البحث عن مخارج وحلول واقعية وصادقة، فيجب أن يكون هناك حديث شفاف وشجاع، حول الوضع الفلسطيني الداخلي، وكيفية إدارة الفلسطينيين لشؤونهم في السنوات السابقة، إذ لا يعقل أن نحيل أسباب الكارثة الى الخارج والأجنبي والآخر، ونظهر أنفسنا وكأننا أبرياء تماما وأننا لم نخطئ أبدا في مواقفنا وسياساتنا وكيفية إدارتنا لأزماتنا ومشاكلنا وكافة شؤون حياتنا.

ويجب أن ندرك جميعا أن هذه المناقشة الشفافة لا تحط من قدرنا، ولا تهز هيبتنا، بل هي ضرورية ومطلوبة لتأكيد حقنا، وترميم أوضاعنا واستعادة الثقة التي كانت تضيع بين الشعب ونخبه وقياداته.!

 

المصدر : صحيفة الاستقلال المحلية