تيسير الغوطي.. المربّي الذي حمل الفكرة، ومضى بها حتى الشهادة
نقلا عن إذاعة صوت الأسرى
لم تكن حياةُ الدكتور تيسير عبد اللطيف حسين الغوطي، أبو محمد، سيرةَ أكاديميٍّ عابر، ولا حكايةَ مربٍّ اكتفى بأن يعلّم الأجيالَ داخلَ قاعاتِ الدرس؛ بل كانت سيرةَ رجلٍ تداخل فيها العلمُ بالفكر، والتربيةُ بالمقاومة، والوعيُ بالقضية.
من فلسطين التي ينحدر منها، ومن قرية هوج المهجّرة عام 1948، حمل الغوطي ذاكرةَ المكان، وانتماءَ الإنسان إلى أرضه، وواصل حياته في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث تشكّلت ملامح شخصيته العلمية والفكرية، قبل أن يصبح واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بالبدايات الأولى للعمل الإسلامي المقاوم في فلسطين.
المربّي والأكاديمي.. حين يتحول العلم إلى رسالة
حصل الدكتور تيسير الغوطي على درجة الدكتوراه، وعُرف في الأوساط الفلسطينية بلقب »المُربّي«، كما عُرف بـ«الدكتور»، لا باعتبارهما لقبين أكاديميين فحسب، وإنما لما تركه من حضور في ميادين التعليم والتثقيف والفكر الإسلامي.
كان يؤمن أن المعركة مع الاحتلال لا تبدأ من الميدان وحده، وإنما تبدأ من بناء الإنسان ووعيه؛ فالوعي بالنسبة إليه لم يكن ترفًا فكريًا، بل جزءًا من أدوات الصمود والمقاومة.
من الفكرة إلى التأسيس.. في الرعيل الأول للجهاد الإسلامي
جاءت علاقته بالفكر الإسلامي المقاوم مبكراً، ليكون الدكتور تيسير الغوطي واحدًا من الرعيل الأول والقادة المؤسسين الأوائل لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، إلى جانب الدكتور فتحي الشقاقي وعدد من أفراد النواة الأولى التي حملت فكرة الحركة في بداياتها.
في تلك المرحلة، لم يكن المشروع مجرد إطار تنظيمي، بل كان بحثًا عن إجابةٍ لسؤالٍ أكبر: كيف يمكن أن يتحول الوعي الإسلامي إلى فعلٍ مقاوم، وكيف تصبح فلسطين قضيةً حاضرةً في الفكر والممارسة معًا؟
الكلمة في مواجهة الجهل.. الفكر طريقاً إلى المقاومة
برز الغوطي بوصفه مربيًا ومفكرًا ومحاضرًا؛ فشارك في ندوات ومحاضرات فكرية وسياسية، وناقش قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، وانتقد الجمود الفكري، ودعا إلى قراءةٍ أكثر وعيًا للنصوص، وإلى الاجتهاد الذي يربط الفكر بواقع الأمة وقضاياها.
وكان التاريخ حاضرًا في طروحاته؛ لأن من لا يعرف تاريخ قضيته، ولا يفهم تحولات الصراع من حوله، قد يجد نفسه أسيرًا للرواية التي يصوغها الخصم.
لذلك اهتم الدكتور تيسير الغوطي بقضايا الفكر السياسي، والمقاومة، والتاريخ، وبناء الوعي، وكتب عددًا من المقالات والدراسات التي تناولت قضايا فلسطينية وإسلامية وسياسية، واستحضر فيها إرث الشهداء والمفكرين، وفي مقدمتهم الدكتور فتحي الشقاقي، كما تناول بالتحليل عددًا من القضايا والتقديرات السياسية.
القلم الذي حمل فلسطين
لم يكن القلم عنده منفصلًا عن الواقع؛ فالكلمة كانت وسيلةً للفهم، والتحليل كان طريقًا لبناء الوعي، والفكر كان جزءًا من معركةٍ أكبر عنوانها فلسطين. وهكذا مضت سنواتُ حياته وهو يجمع بين أدوارٍ متعددة: مربٍّ يعلّم، ومفكرٌ يناقش، وأكاديميٌّ يبحث، وقائدٌ يحمل فكرةَ المقاومة.
السابع من أكتوبر.. بداية مرحلة جديدة
في السابع من أكتوبر عام 2023، تبدّلت تفاصيل المشهد، وبدأت مرحلة جديدة من الحرب على قطاع غزة، مرحلة لم يكن فيها أحدٌ بمنأى عن الموت.
وفي 22 أكتوبر 2023، كان الدكتور تيسير الغوطي في منزله بمدينة رفح، حين استهدفت غارةٌ جوية إسرائيلية منزله، ليرتقي شهيدًا عن عمرٍ ناهز 65 عامًا، برفقة عددٍ من أفراد عائلته.
الشهادة.. نهاية العمر لا نهاية السيرة
رحل الرجل الذي أمضى سنواتٍ في بناء الإنسان والوعي، في حربٍ استهدفت الإنسان والمكان والذاكرة. رحل المربي الذي آمن أن التعليم رسالة، والمفكر الذي جعل من السؤال طريقًا إلى الوعي، وأحد أبناء الرعيل الأول الذين شاركوا في حمل فكرة المقاومة الفلسطينية منذ بداياتها.
وفي رحيله، نعت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور تيسير الغوطي، كما نعته قوى وفصائل وطنية فلسطينية، مستذكرةً دوره التربوي والفكري والتأسيسي في مسيرة الحركة والعمل الوطني الفلسطيني.
ماذا بقي من تيسير الغوطي؟
سيرة الدكتور تيسير الغوطي لا تنتهي عند لحظة الاستشهاد. فالشهادة، في مثل هذه السير، ليست الصفحة الأخيرة؛ وإنما هي اللحظة التي يُعاد فيها النظر إلى حياة الرجل من جديد: ماذا علّم؟ ماذا ترك؟ وما الذي بقي من فكرته بعد رحيله؟
لقد ترك الغوطي سيرةَ رجلٍ آمن بأن فلسطين تحتاج إلى وعيٍ يحمي قضيتها، وفكرٍ يواجه رواية الاحتلال، وتربيةٍ تصنع أجيالًا تعرف طريقها.
الفكرة التي لا تموت
في زمنٍ تُهدم فيه البيوت، وتُستهدف فيه العائلات، وتُمحى فيه معالم الأمكنة، تبقى سيرةُ الذين حملوا فلسطين في علمهم وفكرهم ومواقفهم شاهدًا على أن الاحتلال قد يقتل الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يمحو الفكرة التي عاش من أجلها.