الشهيد هاني عابد.. 25 عاما على الرحيل.. ومسك الشهادة لا زال يعطر الأرض

السبت 02 نوفمبر 2019 02:12 م بتوقيت القدس المحتلة

الشهيد هاني عابد.. 25 عاما على الرحيل.. ومسك الشهادة لا زال يعطر الأرض

 

في الثاني من نوفمبر، قبل 25 عاما بالتحديد، كانت الأرض على موعد مع دم يرويها، ممزوج بمسك الشهادة، وعطر الجهاد.. فترجل فارس كان قد حمل على عاتقه هم ترسيخ الفكر المقاوم في عقول الشباب للدفاع عن فلسطين وتحريرها من قبضة المحتل... إنه الشهيد المجاهد القائد هاني عابد..

 

ففي مخيم جباليا، وفي أحضان أسرة محسوبة على الفقراء، بزغ نور فجر الشهيد هاني عابد في العام 1962م، وترعرع وسط أسرة فلسطينية بسيطة تعشق تراب فلسطين وتلتزم بتعاليم الدين، فكان هاني أكبر الأولاد من الذكور حيث كان له ثلاثة اخوة وست أخوات.

 

عرف الشهيد الإسلام مبكراً.. فكان من رواد المساجد، منذ نعومة أظفاره، وجهر بحبه وانتمائه للإسلام وفلسطين، وكان عابدا، يشهد له بالتنفل في الصيام والقيام ، إلى جانب تفوقه في دراسته.

 

النشأة:

نشأ هاني وهو يشهد منذ صغره جنود الاحتلال يقتحمون كل لحظة حياة الفلسطينيين، شاهدهم وهم يدخلون القطاع وهو مازال صغيراً في الخامسة من عمره، وشاهدهم مرة أخرى يقتحمون بيته ويعتقلون والده في العام 1971م، ليسجن سبعة أشهر، كل هذه الصور لم تغب يوماً عن مخيلة شهيدنا وعززتها أيام الاحتلال.

 

كان يتذكر دوماً تلك الساعات الباكرة التي يخرج فيها بصحبة والدته لزيارة والده في السجون الإسرائيلية لتزيده الأيام وعياً مع الثورة، كان يعود من الزيارة كما يعود الثائر من ميدان النصر منتصراً، كان يحمل الحجارة ويضرب بها جنود الاحتلال الذين يبحثون عنه ويهددونه بإطلاق النار على رأسه إن فعلها مرة أخرى ولكنه كان يعود وكأنه يتمنى الشهادة حتى وهو صغير.

 

تزوج الشهيد في العام 1988 ورزقه الله بولدين وثلاثة بنات كانت آخرهن «قَسَمْ» التي خرجت إلى الدنيا بعد استشهاد والدها.

 

الشهيد وفلسطين:

التحق شهيدنا البطل بالجامعة الإسلامية بغزة في العام 1980م وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، حيث تعرف هناك على نمط مغاير من الثوار، فمن بين جميع الطلاب، كانت هناك مجموعة أصغر حجماً ولكنها تميزت عن باقي التجمعات.. اقترب منها شهيدنا.. سمع كلاماً لم يسمعه من قبل.. عرف أن فلسطين والإسلام توأمان لا ينفصلان، وأن مرحلة جديدة سوف يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين آتية لا محالة.

 

كانت هذه بدايته مع الجهاد الإسلامي.. ليلتقي بعدها بالمعلم الفارس فتحي الشقاقي، ولينضم إلى تلك المسيرة المظفرة بإذن الله التي بدأت من بعض أفراد في الجامعات المصرية، لتمتد نحو فلسطين ولتزهر مشروع ثورة لا تنتهي.

 

بدأ الشهيد نشاطاته الطلابية التي استمرت إلى أن تخرج من الجامعة في العام 1984م، من كلية العلوم قسم الكيمياء وليواصل بعدها دراسة الماجستير بجامعة جامعة النجاح بنابلس وذلك في العام 1988.

 

وقد تدرج شهيدنا في العديد من المهام التنظيمية، ما جعله عرضة للملاحقة الدائمة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، وحول ذلك تقول شقيقته الكبرى إن "أبا معاذ" كان كلمة السرّ لتنظيم الجهاد في الوقت العصيب، فهو يعتبر حافظ أسرار الحركة في غزة، خاصة أسرار جناحها العسكري "القوى الإسلامية المجاهدة- قسم " سرايا القدس، كما كان نقطة الوصل بين الداخل والخارج "، مشيرةً إلى أنه نظراً لملاحقة الاحتلال له بصورة مستمرة، حرص على إخفاء كافة الأوراق والملفات السرّية معها.

 

الاعتقال:

كانت محطته الأولى في الاعتقال سنة 1991م، على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بتهمة إيواء أحد أقربائه وليحكم عليه بستة أشهر ويرحل إلى معتقل النقب الصحراوي، وليخرج شهيدنا من القيد ليواصل رحلة عطائه الدائم لهذه الأرض الطيبة وليتولى مسؤولية الجماعة الإسلامية ـ الإطار النقابي الطلابي للجهاد الإسلامي ـ حيث كان الشهيد مؤمناً بأهمية دور الطلاب في الصراع الدائر على أرض فلسطين.

 


ومع تأسيس صحيفة الاستقلال، تولى الشهيد إدارتها العامة وشارك في تأسيسها ليتواصل مع رحلة الوعي والثورة التي بدأها.

 


المطاردة:

قبل عملية إعادة الانتشار التي قامت بها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة بأسبوع واحد، تحاصر هذه القوات منزل الشهيد في حي الغفري بغزة وتحاول اعتقال الشهيد الذي كان حريصاً على عدم الوقوع في أيديهم مرة أخرى حيث كان يخرج كل مساء ويختفي بعيداً عن عيونهم.. وليصبح الشهيد أبو معاذ مطلوباً لهذه القوات.

 

أول معتقل سياسي:

وفي أعقاب قيام أعضاء الجناح العسكري للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمالي قطاع غزة قتل خلالها ثلاثة من الجنود الصهاينة اتهمت قوات الاحتلال الشهيد بالمسؤولية عن العملية والتخطيط لها، ليتعرض بعدها لمحنة القيد على أيدي السلطة الفلسطينية وليكون أول معتقل سياسي لهذه السلطة.

 


الشهادة:

في الثاني من تشرين الثاني عام 1994م وفي أحد الأيام المشمسة يخرج شهيدنا كأجمل ما يكون الشهداء متوجهاً إلى كلية العلوم والتكنولوجيا حيث يعمل محاضراً هناك، ويمضي يومه يعلم تلامذته الكيمياء.

 

وفي الساعة الثالثة عصراً يخرج مرة أخرى ليعود إلى مكتبه في الصحيفة حيث كان الشهيد دائم العمل من أجل نشر الوعي بين أبناء شعبه.. وما أن يدير شهيدنا مقود سيارته حتى تنفجر به وليصاب إصابات خطيرة وينقل إلى مستشفى ناصر بمدينة خان يونس ليلقى الله شهيداً في زمن السلام المزعوم.

 

الرد على الاغتيال:

اعتقد الكيان الصهيوني باغتياله أن طريق المقاومة والجهاد ستتوقف وسيضرب قدرة حركة الجهاد الإسلامي في مواصلة عملياتها دون أن يدرك أن الأيديولوجية التي انطلقت بها جذوة الجهاد في بداية الثمانينات قادرة على إنجاب القادة والكوادر والاستشهاديين والاندفاع نحو خيار المقاومة والجهاد بصلابة وإرادة أقوى وإيمان مضاعف .

 

لكن اخوة الشهيد في حركة الجهاد الإسلامي لم يتأخر ردهم كثيراً، فمع حفل التأبين الذي أقيم للشهيد بعد أيام قليلة ينطلق أحد تلامذته الشهيد هشام حمد في عملية استشهادية ليفجر نفسه ويقتل أربعة ضباط من قوات الاحتلال انتقاماً لدم هاني ولتعلن الحركة أن هذه العملية هي حلقة من حلقات الانتقام للشهيد وبعدها بأشهر قليلة يفجر أيضاً الشهيد خالد الخطيب سيارته في حافلة عسكرية ويقتل عشرة جنود ويصيب عشرات وبعدها الملحمة الكبرى بيت ليد والتي نفذها البطلان صلاح شاكر وأنور سكر والتي قتل فيها عشرات الجنود.

 

وهكذا أزهر دم الشهيد عشرات الشهداء وخرجت غزة بأكملها تودع الشهيد في حزن كبير، حيث امتدت المسيرة من بيته في غزة حتى مقبرة الشهداء في جباليا سيراً على الأقدام رغم شدة الأمطار التي هطلت في ذلك اليوم.

المصدر : المكتب الإعلامي